السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الزيادة في الإيمان والانتقاص منه
- قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جامع ابن شداد عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل: " اجلس بنا نؤمن ساعة يعني نذكر الله (45) وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، يرون أعمال البر جميعا من الازدياد في الإسلام، لأنها كلها عندهم منه. وحجتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمس مواضع من كتابه منه قوله ] الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ ( آل عمران/ 173) وقوله ]لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [( المدثر /31) وقوله ] لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ[ ( الفتح /4). وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول، فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية.
وأما الذين رأوا الإيمان قولا ولا عمل فانهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه:
أحدها أن قالوا، أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض مثل الصلاة والزكاة وغيرها والزيادة بعد هذه الجمل، وهو أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة هي خمس، وأن الظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاثة 11/1، وعلى هذا رأوا سائر الفرائض.
والوجه الثاني: أن قالوا. أصل الإيمان الإقرار بما جاء من عند الله، والزيادة تمكن من ذلك الإقرار.
والوجه الثالث أن قالوا: الزيادة في الإيمان الازدياد من اليقين.
والوجه الرابع أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبدا، ولكن الناس يزدادون منه.
وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدقا في تفسير الفقهاء ولا في كلام العرب، فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: " اجلس بنا نؤمن ساعة " فيتوهم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فضله النبي صلى الله عليه وسلم على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام ثم قال: " يتقدم العلماء برتوة " (46) هذا لا يتأوله أحد يعرف معاذا.
وأما في اللغة فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم وذلك كرجل أقر له رجل بألف درهم له عليه، ثم بينها فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له تلخيص وتفصيل، وكذلك لو لم يلخصها ولكنه ردد ذلك الإقرار مرات، ما قيل له زيادة أيضا، إنما هو تكرير وإعادة، لأنه لم يغير 11/2 المعنى الأول ولم يزد فيه شيئا.
فأما الذين قالوا يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزيادة، فإنه مذهب غير موجود، لأن رجلا لو وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ماكان له معنى يفهمه الناس إلا أن يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئا، إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان.
وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم، لأن اليقين من الإيمان فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم أفليس أحاطوه باليقين من قولهم فكيف يزداد من شيء قد استقصى وأحيط به ؟! أرأيتم رجلا نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه هل كان يستطيع أن يزداد يقينا بأنه نهار ولو أجتمع عليه الإنس والجن ؟! هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس.